نبض الإسلام

منتدى اسلامى

متــــــــــــــــــى اللقـــــــــــــاء؟ لا .......... لن يتخللنــــــــي الخـــــــــــــذلان بل سأرسم على كل الجدران امجاد كل الشهــــــــــــــداء واكتب علــــــــــى كل صفاحات الوجـــــــــود اخبــــــــــــــــار كل الاحبــــــاب سطـــــــــور والتقط من كـــــــــــــــــل الدروب صور تسرد واقعا مسكـــــــــــون ღ فلســـــــــــــــــــــــــــطين ღ ‏‏

    الهجرة دروس وعبر سلوك وأخلاق

    شاطر

    نسيم الجنة

    عدد المساهمات : 85
    تاريخ التسجيل : 14/09/2010

    الهجرة دروس وعبر سلوك وأخلاق

    مُساهمة  نسيم الجنة في الأحد ديسمبر 05, 2010 5:05 pm

    مع مَطْلع شهر المُحرَّم مِن كلِّ عام، يَقِف أهلُ الصلاح والتقوى يأخذون العِبْرة، ويسترشدون المعنَى، ويستلهمون الدَّرْس، ويُجدِّد فيهم النشاط، ويُثير فيهم الحماس، ويَزْرع فيهم الأمل، ويَحثُّهم على العمل، يُنير لهم الطريق، ويَبعَث فيهم رُوح الفريق، ويدفعهم إلى السَّيْر الحثيث إلى الله، ويُهوِّن عليهم مشاقَّ الدنيا وأهوال الحياة.

    الوقت هوا لحياة:


    ولعلَّ أوَّلَ درس هو إدراكُ قِيمة الوقت، فالوقت هو الحياة، واستغلالُه في الطاعةِ طريقُ النجاة، عامٌ مِن حياتنا مضَى، بحُلوه ومُرِّه، بخيره وشرِّه، بحَسناته وسيئاته، بصلاحِه وطَلاحه، لا نَدري أيكون لنا أمْ علينا؛ لذا يجب أن نكونَ مِن الله على وَجَل؛ ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: 49]، لهم المغفرة؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الملك: 12]، والله حسيبُهم؛ ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39]؛ لذلك ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 50]، وأن نكونَ مِن الجَنَّة على عجَل؛ ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]، ومِن الآخِرة كذلك؛ "اعملْ لآخرتِك كأنَّك تموت غدًا" ومِن أعمال الخيْر لا كلَلَ ولا مَلَل؛ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90].

    إنَّ انتهاءَ عامٍ مِن أعمارنا قرَّبنا مِن لقاء الله خُطوةً، ولا نَدري كم بقِي مِن أعمارنا، بعض خُطوة، أم خُطوة، أم خُطوات؛ "يقول الحسنُ البصريُّ - رحمه الله تعالى -: إنَّما أنت أيُّها الإنسان أيَّامٌ مجموعة، فإذا ذهَب يومُك فقد ذهَب بعضُك... إذا مرَّ يومٌ مِن حياتك، فقدْ وقعت ورقةٌ مِن شجرتك، وطُوِيت صفحةٌ مِن صفحاتك، وهوَى جدارٌ مِن بُنيانك!

    ويقول عمرُ بن عبدالعزيز - رَحِمه الله تعالى -: اللَّيْل والنَّهار يعملانِ فيك، فاعملْ فيهما، نعمْ الليل والنهار يعملانِ فيك، كيف؟! يُقرِّبان كلَّ بعيد، ويُبليان كلَّ جديد، ويفلاَّن كل حديد!

    يقول الفاروقُ عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه -: "حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالَكم قبل أن تُوزَن عليكم"، ويقول أيضًا : لو قيل: إنَّ كلَّ الناس يدخُلون الجنةَ إلا واحدًا، لظننتُ أنِّي ذلك الواحِد، بينما يقول الصِّدِّيقُ أبو بكر - رضي الله عنه -: "واللهِ لا آمَن مكْرَ الله وإنْ كانت إحدى قَدميَّ في الجَنَّة".

    ((اغتنمْ خمسًا قبلَ خمس: حياتَك قبل موتِك، وصِحَّتَك قبل سِقَمِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وشبابَك قبل هَرَمِك، وغناك قبل فَقرِك))؛ صحَّحه الألباني؛ انظر حديث رقم (1077) في صحيح الجامع.

    قيمة التضحية:

    تأتِي الهجرةُ لتُعلِي قيمةَ التضحية في زمن الخُنوع والخضوع لغيْر الله، في زمَن المعاصي والذُّنوب إلاَّ ما رحِم ربِّي، في زمَنِ المصالِح الشخصية، والحياة الورديَّة، والمُتعة الوقتية، في زمنِ انتعاش أهلِ الباطل في غفلة أهلِ الحقِّ، في زمن الفسادِ المخطَّط، والإفساد المُمنهَج في الأرض!

    فمِن أجْلِ تبليغ الدعوة إلى العباد، ومِن أجْل التقوِّي على الفسادِ والإفساد، ومِن أجْلِ مقارعة الباطِل في كلِّ البِلاد، كانتِ التضحيةُ بالوطن، ولو كان مسقطَ الرأس، ومَرْتع الصِّبا، ومَجْمَع الذِّكرى؛ ((واللهِ إنَّك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إليَّ، ولولا أنِّي أُخرجتُ مِنك، ما خرَجْتُ))؛ صحَّحه الألبانيُّ، انظر: حديث رقم (7089) في صحيح الجامع، حتى أنزل الله عليه: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [القصص: 85].

    والتضحيةُ بالمال ولو كان كثيرًا (موقِف صُهَيب الرومي)، والتضحية بالأهلِ، ولو كانوا أحِبَّة (موقِف أُسرة سَلَمَة)، والتضحية بالراحة والاستقرار، ولو كانَا في قبضةِ اليد.

    إنَّها ثمرةُ التربية التي حرَص القائدُ الأعلى عليها طوالَ ثلاث عشَرةَ سَنَة، إنها الوسيلةُ لبناء الرِّجال، والرُّوح لتغيير الأحوال، والوصول إلى حياةٍ قد تبدو صعبةَ المنال، إنَّه المنهجُ لتغيير الأُمم، وبلوغ القِمم، وإبراء الذِّمم، والإعذار إلى الله، نعمْ إنَّها التربية الفِكريَّة والثقافيَّة، والخُلُقيَّة والاجتماعيَّة، والبدنيَّة والجهاديَّة والسياسيَّة.

    المبادئ لا تتجزَّأ:

    تُثبت الهجرة أنَّ المبادئ لا تتجزَّأ، وأنَّ الالتزامَ بها ضرورةٌ لأهل العقيدة، رغمَ كلِّ الظروف، فالنبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان حريصًا على أداءِ الأمانات التي كانتْ مودعةً لديه إلى أهلها، وهو القائِل: (( أدِّ الأمانةَ لمَن ائتمنَك، ولا تَخُن مَن خانك ))، فترَك عليَّ بنَ أبي طالِب - رضي الله عنه - في فِراشه، وهو أمرٌ عجيب، هؤلاءِ الناس استباحوا دمَه، وأرادوا قتْلَه، بل أدْمَوه وآذوه وطردوه، لكنَّه لم يشأْ قتلَهم، ولم يستبِحْ أموالهم، ولو كلَّفه ذلك بالمخاطرةِ بابن عمِّه، وصَدَق الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58].

    الأمل في نصْر الله والثِّقة في وعْدِه:

    في بيتِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - جلَس عليٌّ يردُّ الأماناتِ إلى أهلها، وخرَج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فوجَد أربعين شابًّا ينتظرونه ليضربوه ضربةَ رجلٍ واحد، فيقتلوه ويتفرَّق دمُه بيْن القبائل، لكنَّه خرَج يَتْلو القرآن: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يس: 9]، وأخَذ حِفنةَ تراب ونثرَها على رؤوسهم، فما بقِي واحدٌ إلاَّ ونال قسطًا مِن التراب، وصَدق الله ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 17].

    وصَلَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصحْبه إلى الغار، فتَبِعهم الطلب (الأعداء)، فقال أبو بكر: لو نظَر أحدُهم تحتَ قدمه لرآنا! فقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهما؛ لا تحزَنْ إنَّ الله معنا))؛ ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 40].

    ولمَّا دَنَا سُراقةُ مِن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في طريقِ الهِجرة، وقال له أبو بكر: الطَّلَب وراءَنا يا رسولَ الله، قال: ((لا تخف))، قال: الطَّلَب قاب قوسَيْن، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((اللهمَّ اكْفنيه بما شِئتَ))، فلمَّا دنَا غاصَتْ قوائمُ فَرسه في الأرض، أو عثرتْ به وسقَط عنها.

    فنادَى : يا محمَّد، ادعُ ربَّك كي يُنجِّيَني ممَّا أنا فيه، ولن يُصيبَك مني أذًى.

    هناك عرَف بأنَّ لمحمد ربًّا أحسن مِن ربِّه، وعرَف الحق، فلمَّا دعا له النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قام، فتعجَّب سُراقةُ مما رأى، وقام يَعرِض عليهم الزادَ، فقالوا : نحن في غِنًى عن ذلك.

    قال: خُذْ هذا السهم مِن كنانتي وستمرُّ بغنمي، فاعْرِضْه على الراعي، وخُذْ مِن غنمي ما شئتَ، قال: ((يُغنينا الله عن غنمك))، ثم قال له - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أتَعْجَب يا سُراقةُ مِن هذا؟ كيف بك يا سُراقةُ، إذا أنتَ لبستَ سِواري كِسرى؟!))، قال: كِسْرى أنو شروان؟!

    أمرٌ مذهِلٌ ما استطاع سُراقة أن يتحمَّل، فهذا شخصٌ أخرَجه قومُه، ويمكر به قومُه، ثم هو وصاحبُه فقط، ويَعِدُ سراقةَ بأنَّ دِينه سيظهر، وأنه سوف يأخُذ عرشَ كِسرى، وأنَّ سراقة يلبَس سِواريه، فقال: اكتبْ لي كتابًا بسواري كِسْرى، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اكتُبْ له يا أبا بكر))، فكتَب له فرَجع سُراقةُ، وكلَّما رأى طالبًا يطلُب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ارجعوا اطلبوه في غيرِه، فقد كُفيتم تلك الجِهة.

    هذا سُراقةُ الآن يفِي الله - سبحانه وتعالى - له بوعِدِ رسولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ففي زمنِ عمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - يَفْتَح الله على المسلمين المدائِن، ويُؤتَى بلِباس كِسْرى، وله سِواران مِن الذَّهَب، وله تِيجان وصولجان، وأشياء عجيبة جدًّا، فنظروا، فإذا هو لباسٌ طويلٌ لرجلٍ ضخْم، وعمر - رضي الله تعالى عنه - كان يُريد أن يراه كي يُعطيَه مَن يرتديه، فأخذوا يَستقرِئون الحاضرين، فلم يجدوا أطولَ مِن سراقة، فلِبس والصكُّ في جَيْبه، وتذكَّر: (( كيف بكَ إذا أنتَ لَبِستَ سِواري كِسْرى؟! ))، وقبل ذلك تحقَّق وعْدُ الله، وعاد النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى مَكَّةَ في عشرة آلاف مُسلِم موحِّد، ظافرًا منتصرًا، متواضعًا على ظهْر دابته، يستغفر مِن ذنبه، ويدعو ربَّه في الفتح الأعظم؛ ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 1 - 3].

    الرحمة كيف تُرتَجى:

    تُثبِت لنا الهجرةُ أنَّ رحمة الله لا تُرتجَى مِن الخمول أو الكسل، مِن القنوط أو القعود، إنما تُرتجَى مِن الحرَكة والعمل، والنشاط والجهاد؛ كيف؟!

    ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 218]، أما الاستضعاف والسكون، والرِّضا بالذل والهوان، فإنَّه يُورِد المهالكَ، ويؤدي بصاحبه إلى سوء المصير؛ كيف؟!

    ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 97].

    القُدوة في كلِّ شيء:

    حرَص النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على الأجْر، فرَفَض أن يَقبل مِن أبي بكر دابةَ السَّفر، بل دفَع ثمنَها، وحرَص أنْ يُجاهد بماله أيضًا، وقد قال بعدَ ذلك في بدر لصاحبيه اللَّذين يتبادلانِ معه الرُّكوب: (( ما أنتُما بأقْدَرَ على المشي منِّي، وما أنا بأغنَى عن الأجْرِ مِنكما )).

    التخطيط السَّليم، والتنفيذ الأمثل:

    وعدم التعويل عليهما فحسْبُ، بل النتائج على الله، تَفرِض الهجرةُ وجوبَ التخطيط والتنفيذ الجيِّدَين، والأخْذ بالأسباب، ثم اليقين في ربِّ الأرباب الموثَّقينِ، الأخْذ بأسبابِ النجاح دون التعويلِ عليها وحْدَها وصولاً إلى الأهدافِ الجُزئية والمرحليَّة التي تمهِّد الطريق للأهداف الكبيرة والكُليَّة، مع التوكُّل على الله والثِّقة فيه، والتعلق بعونِه ومعيَّته؛ ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40].

    المعنى الحقيقي للنصر:

    الهِجرة سُمِّيت نصرًا رغم أنَّه لم تَسِلْ قطرةٌ من الدم، ولم تلتقِ فيها السيوف، ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ [التوبة: 40]، وهذا اتِّساع لأُفق النَّصْر في حياة أهل التوحيد والعقيدة.

    فالثباتُ على المبدأ نصْر، والالتزامُ بالحقِّ نصْر، والوصول للأهداف - سواء مرحليَّة أو كُليَّة - نصْر، في الهِجرة تَحقَّق النصر، لمَن؟ لأقلِّ جيش "اثنين" في مكانٍ ضيِّق "الغار كيف؟! ﴿ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ [التوبة: 40]، لا عَدد ولا عتاد، إنَّما كانتِ القوَّة في الثِّقة بالله، والثباتِ على مبادئ الدعوة والدِّين، والتضحية في سبيلِ الله، ومِن ثَمَّ ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 40]، شاء مَن شاء، وأبَى مَن أبَى.

    مجتمعٌ ظهَر في المدينة، فريدٌ مِن نوعه، إيمانٌ عالٍ، أُخوَّة راقية، حبٌّ عميقٌ في ذاتِ الله، مجتمَع انصهر فيه كلُّ فرْد، حتى كان يقول لأخيه: يا أنا!

    يعرِض فيه الأنصاريُّ طلاقَ زَوْجته، التي هي نِصفُه وحياتُه بعدَ الله؛ إيثارًا لأخيه المهاجِر.

    مجتمَع لم يَعرفْ له التاريخُ مثيلاً من قبلُ ولا مِن بعدُ، حتى استحقَّ التكريم والتخليد في القرآن الكريم، تتعبَّد به الأجيالُ جِيلاً بعدَ جِيل إلى يومِ الدين.

    في المهاجرين: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8].

    وفي الأنصار: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

    وفي الذين ساروا على نهْجِهم، وسَلكوا طريقَهم عبرَ الزمان والمكان: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10].

    المعنى الحقيقي للهِجرة:

    إذا كانتِ الهجرةُ في وقتٍ من الأوقات تَعني النُّقلةَ المكانية من أرض الشِّرك إلى أرضِ الإسلام، مِن مكَّةَ إلى المدينة، فقدْ ألْغاها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حينما قال: (( لا هِجرةَ بعدَ الفتْح، ولكن جهاد ونيَّة ))، ألغاها بالمعنى الجُغرافي، لكنَّه أبقاها بالمعنى المعنويِّ، حيث قال: (( والمهاجِرُ مَن هجَر ما نهَى الله عنه )).

    إذًا فالمطلوبُ مِن كلٍّ منَّا أن يهاجر، كيف؟! يهاجِر مِنَ المعصية إلى الطاعَة، مِن الفردية إلى الجَماعة، مِن الكسل إلى العمل، مِن القنوط إلى الأمَل، مِن الضَّعْف إلى القوَّة، ومِن التسفُّل إلى القِمة، مِن الذلَّة إلى العِزَّة، من الحِصار إلى الانتشار، ومِن الانكسارِ إلى الانتِصار، مِن الانكفاءِ على الذات إلى الاهتمامِ بشأن المسلمين، مِن التعصُّب للرأي إلى النزولِ علَى الشورى، مِن مصلحة الفرْد إلى مصلحةِ المَجْموع، مِن حياةِ الهوان والحِرْمان إلى حياةِ الإيمان والإحسان.

    وهكذا نجِدُ أنَّ الهِجرةَ سلوكٌ واجب ومستمرٌّ، علينا أن نباشِرَه ونمارسَه على كلِّ المستويات، وفي جميعِ الأوقات، وأخلاقٌ عالية، وقِيَم رفيعة يجب أن نَحْياها ونعيشها على طولِ الطريق رغمَ وعْثائه وأشواكه.

    وهذا غيْضٌ مِن فيْض مِن معاني الهِجْرة، اللهمَّ اجعلنا مهاجِرين إليك، متوكِّلين عليك، واثِقين في معيتك، مستعينين بك، اللهمَّ احشرْنا مع المهاجِرين والأنصار، والصالحين والأخيار، والمرسَلين الأطهار، والشُّهداء الأبرار، اللهمَّ فقِّهْنا في دِيننا، وفَهِّمْنا شرعة ربِّنا، اللهمَّ ارزُقْنا الإخلاص في القوْل والعمل، ولا تجعلِ الدنيا أكْبَر همِّنا، ولا مبلغَ عِلْمنا، وصلِّ اللهمَّ على سيِّدنا محمد، وعلى أهلِه وصحْبه وسلِّم، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء نوفمبر 22, 2017 10:18 pm